تنامي النفوذ
لماذا تريد تركيا تعزيز حضورها في أفغانستان؟

تنامي النفوذ

لماذا تريد تركيا تعزيز حضورها في أفغانستان؟



مع اقتراب موعد الانسحاب الأمريكي التام من أفغانستان، الذي حدّدته الإدارة الأمريكية الجديدة في سبتمبر المقبل؛ فإن الأنظار تتجه إلى أنقرة، حيث المقترح التركي لخلافة القوات الأمريكية هناك، في ظل مخاوف أمريكية ودولية من حالة الفراغ الأمني بعد انسحاب القوات الأجنبية. ويبدو أن أنقرة حاولت أن تتلاقى مع واشنطن في هذا الملف، وتتجاوز الخلافات المتصاعدة بين الدولتين في الآونة الأخيرة، خصوصًا أن واشنطن قد ترغب في اضطلاع تركيا بدور بديل لدور القوات الأمريكية هناك، والحفاظ على الوضع الأمني في أفغانستان، وتأمين مطار حامد كرزاي بصورة خاصة. وبموازاة هذا التلاقي في المصالح مع واشنطن، يمكن أن يخدم التواجد العسكري المصالح التركية من زاويا عديدة، ربما أهمها تعزيز نفوذها الإقليمي، وموازنة نفوذ عدد من القوى الإقليمية الأخرى.

ملء الفراغ

يقوم الدور التركي المحتمل في أفغانستان في مرحلة ما بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان على فكرة “ملء الفراغ”؛ حيث ترغب واشنطن في أن تلعب أنقرة دورًا أمنيًا وعسكريًا في أفغانستان بديلًا للدور التي كانت تلعبه طوال 20 عامًا، وكذلك الحال بالنسبة لحلف الناتو الذي يرغب في ملء أنقرة للفراغ الأمني في أفغانستان. فقد أشار الأمين العام لحلف الناتو، ينس ستولتنبرج، إلى أن تركيا ستلعب دورًا رئيسيًا في إدارة ​​مطار كابول الدولي بعد انسحاب قوات الحلف، في الوقت الذي يقتصر فيه الوجود العسكري التركي الحالي في أفغانستان على كتيبة من حوالي 500 جندي فقط تشارك في مهام غير قتالية.

وتخشى الولايات المتحدة الأمريكية وحلف الناتو من أن يدفع رحيل القوات الأجنبية وتوقف محادثات السلام ونشاط طالبان العسكري إلى حرب أهلية شاملة في أفغانستان قد تعيد طالبان إلى السلطة. إذ نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال”، في 24 يونيو 2021، تقريرًا يشير إلى إمكانية انهيار الحكومة الأفغانية خلال فترة تتراوح بين ستة أشهر وسنة من الانسحاب الأمريكي، وفقًا لتقارير استخباراتية ومسؤولين عسكريين اعتمدت عليهم الصحيفة، وذلك فيما تواصل حركة طالبان تقدمها العسكري وسيطرتها على بعض المناطق في أفغانستان.

وفي هذا السياق، تأتي أهمية ملء الفراغ الأمني بمطار حامد كرزاي الدولي في العاصمة الأفغانية كابول، والذي يعد المطار الرئيسي في أفغانستان، ويمثل حلقة الوصل الأساسية لأفغانستان بالعالم الخارجي، وتُعتبر السيطرة عليه بمثابة سيطرة على بوابة أفغانستان إلى العالم، خاصة أننا أمام دولة حبيسة ليست لها أي سواحل.

دوافع رئيسية

تقف عددٌ من الدوافع وراء الرغبة التركية في لعب دور في الساحة الأفغانية عقب الانسحاب الأمريكي، وتتمثل أهم هذه الدوافع فيما يلي:

1- تعزيز السمعة التركية: إذ ترغب تركيا في تعزيز سمعتها الخارجية من خلال الملف الأفغاني، وتعتمد تركيا في هذا الصدد على مسارين رئيسيين، أولهما: تفعيل أدوات دبلوماسية الوساطة، فبحسب “جنى جبور” في كتابها “تركيا دبلوماسية القوة الناهضة”، تحاول أنقرة استخدام الوساطة كمنفذ دبلوماسي وتعزيز حضورها على الساحة الإقليمية والدولية. ولعل هذا ما تتجلى ملامحه في الحالة الأفغانية، إذ حاولت تركيا استضافة مؤتمر سلام دولي بشأن أفغانستان في أبريل الماضي، ولكنه تأجل لعدم مشاركة بعض أطراف الأزمة الأفغانية. كما أعلن المتحدث باسم حزب العدالة والتنمية التركي، عمر جيليك، في مايو الماضي، عن استعداد بلاده للمشاركة في أي وساطة لإحلال السلام في أفغانستان.

وارتبط المسار الثاني باستخدام أدوات القوة الناعمة التركية لتدعيم العلاقات مع أفغانستان، فخلال السنوات الماضية عملت تركيا على تعزيز الصلات مع قوميتي الأوزبك والتركمان اللتين تتحدثان اللغة التركية. كما أنشأت عددًا من المدارس التركية، فضلًا عن المنح الدراسية وتدريب الموظفين، وكذلك التعاون وتقديم الدعم مع الحكومة الأفغانية في المجال العسكري والأمني.

2- النفوذ في آسيا الوسطى: تعمل تركيا على تعزيز حضورها في آسيا الوسطى، وتُولِي السياسة التركية خلال تلك الفترة اهتمامًا كبيرًا بالتوجه نحو وسط وجنوب آسيا، وهو ما برز واضحًا في التدخل التركي في الصراع بين أرمينيا وأذربيجان، والعلاقات مع باكستان.

وفضلًا عن وجود شعوب ناطقة بالتركية في هذه المنطقة، فإن أهميتها بالنسبة إلى أنقرة ترجع أيضًا إلى ثرائها بموارد الطاقة التي تمثّل أولوية ملحوظة في السياسة الخارجية التركية في السنوات الأخيرة، حيث تملك دول آسيا الوسطى، وفقًا لبعض التقديرات، نحو 27% و34% من احتياطيات النفط والغاز الطبيعي على الترتيب. ولذلك تبحث تركيا عبر البوابة الأفغانية عن موطئ قدم جديد في وسط آسيا.

3- مقايضة واشنطن: تسعى تركيا إلى استغلال الحاجة الأمريكية إلى الحضور التركي في أفغانستان لحل الخلاف في القضايا الجوهرية بين البلدين، وعلى رأسها شراء تركيا لصواريخ روسية متطورة من طراز S-400، فضلًا عن الاختلافات الأخرى بين البلدين كما هو الحال في الملف السوري، والملفات الداخلية الخاصة بحقوق الإنسان والحريات وقوى المعارضة. وتحاول أنقرة تثبيت تجاوزها للخطوط الحمراء الغربية فيما يتعلق بالعلاقات مع روسيا وسياستها الخارجية العدوانية في شرق البحر المتوسط.

وفي هكذا سياق، فإن الحضور التركي في أفغانستان يُنظر إليه كمحاولة تركية لكسب تأييد واشنطن، وتجاوز الخلافات بين البلدين، وتثبيت بعض الملفات كأمر واقع، وتخفيف العقوبات الأمريكية المفروضة على أنقرة، ومحاولة لتحسين العلاقات مع الرئيس الأمريكي الجديد “جو بايدن”.

4- مهمة دولية: تحاول أنقرة التأكيد على أهمية دورها المحتمل في أفغانستان بالنسبة لدول العالم كافة، حيث أكد وزير الخارجية التركي “مولود جاويش أوغلو”، أن تشغيل وتأمين مطار كابول الأفغاني أمر حيوي لبقاء جميع البعثات الدبلوماسية. وتسعى تركيا إلى أن تحظى مهمتها الجديدة بدعم من مجلس الأمن والمجتمع الدولي، بحيث يمنح مهمتها الشرعية والدعم الدولي، كما يمنح تركيا اهتمامًا إقليميًا ودوليًا، ويزيد من حضورها ونفوذها السياسي. كما أن الورقة الأفغانية ستصبح بهذا الشكل إحدى الأوراق التركية المهمة داخل حلف الناتو.

محدِّدات الحضور

بالرغم من المصالح التي تستهدفها أنقرة من وراء رغبتها في تزايد تواجدها في تركيا، فإن ثمة محددات ستحكم الحضور التركي في الساحة الأفغانية، وستؤثر على اتخاذ أنقرة لهذا القرار، وعلى احتمالات نجاحها أو فشلها فيه، ومن أهم هذه المحددات ما يلي:

1- موقف طالبان: يُعتبر موقف حركة طالبان من الحضور التركي في أفغانستان أحد أهم المحددات الحاكمة لهذا الحضور. حيث سيمثل وجود قوات عسكرية تركية في أفغانستان بعد موعد الانسحاب دون موافقة حركة طالبان مخاطر جمة على الجنود الأتراك. ويُلاحَظ هنا أن حركة طالبان أكدت معارضتها بقاء أي قوات أجنبية في أفغانستان، حيث أكد “سهيل شاهين”، المتحدث باسم طالبان، على ضرورة الانسحاب التركي من أفغانستان كجزء من القوات الدولية التي نصّت اتفاق فبراير 2020 على انسحابها، وأن بقاء أية قوات سيجعل منها قوات محتلة. وذلك رغم تأكيده أيضًا على العلاقات التاريخية بين أنقرة وكابول، وسعي الحركة للتعاون وتعزيز العلاقات مع تركيا بوصفها دولة إسلامية كبيرة.

وتسعى أنقرة إلى حلحلة الموقف الطالباني بوساطة باكستانية وقطرية؛ إلا أن عدم نجاحها في الحصول على موافقة طالبان، يجعل من استمرار حضورها في الساحة الأفغانية بعد موعد الانسحاب، ووجود قواتها في مطار حامد كرزاي، أمرًا مكلفًا للغاية ومحفوفًا بالمخاطر. كما أن تأجيل انعقاد مؤتمر السلام الدولي، الذي كان مقررًا عقده في إسطنبول، في أبريل الماضي، بسبب عدم حضور طالبان؛ يشير إلى أن تغيير موقف طالبان ليس بالأمر اليسير، ويؤكد أهمية موقف الحركة.

2- الموقف الحكومي: يحظى الدور التركي في أفغانستان بترحيب حكومي، سواء خلال مرحلة عملها ضمن قوات الناتو أو في مرحلة ما بعد الانسحاب، ولعل هذا ما كشف عنه وزير الخارجية الأفغاني “حنيف أتمار”، عقب اجتماعه مع نظيريه التركي والإيراني في 20 يونيو الماضي، حينما أعلن ترحيبه ودعمه للعرض التركي بتأمين مطار كابول، وباستعداد تركيا للحفاظ على القدرات والمرافق والترتيبات التكنولوجية رفيعة المستوى للمطار، وذلك في إطار اتفاق الوزراء الثلاثة في الاجتماع على التعاون في عملية السلام، والقضايا الاقتصادية، والقضايا الأمنية التي تتضمن مكافحة الإرهاب ومنع الجرائم المنظمة والهجرة غير الشرعية.

3- الدعم الأمريكي: يُجري المسؤولون الأتراك محادثات مع واشنطن للحصول على دعم مالي ولوجستي. وتربط أنقرة حضورها في الساحة الأفغانية بهذا الدعم، حيث أكد الرئيس التركي “رجب طيب أردوغان”، في تصريحاته للصحفيين عقب اجتماعه مع الرئيس الأمريكي “جو بايدن”، على هامش قمة الناتو الأخيرة في بروكسل، على أهمية الدعم الدبلوماسي واللوجستي والمالي الأمريكي حال رغبة واشنطن في إبقاء الحضور التركي في أفغانستان.

4- فرص أنقرة: تمتلك تركيا فرصًا مسبقة تؤهلها لمهمة خلافة الحضور الأمريكي في أفغانستان، ومنها أن القوات التركية في أفغانستان لم تكن قتالية، ولم يسبق لها الانخراط في مواجهات مسلحة في أفغانستان طوال فترة وجودها ضمن قوات الناتو. حيث أكدت تركيا على أن وجودها كدولة مسلمة ضمن قوات الناتو في أفغانستان يهدف إلى دعم الاستقرار ومساعدة الشعب الأفغاني كجزء من العلاقة التاريخية الوثيقة بين الشعبين. وتعتقد بعض القوى الدولية أن المحدِّد الثقافي والأيديولوجي في السياسة التركية يمكنه أن يلعب دورًا نشطًا ومقبولًا في دعم السلام ببعض المناطق مثل أفغانستان، فضلًا عن احتفاظ تركيا بعلاقات جيدة نسبيًا مع القوى الأفغانية مثل علاقاتها بطالبان وكذلك علاقاتها بالحكومة الأفغانية وببعض الشخصيات مثل “عبدالرشيد دوستم”.

5- تجربة الصومال: تبقى تجربة الوجود التركي في الصومال إحدى التجارب التي يُنظر إليها من قبل أنقرة ودول العالم فيما يخص فرص الوجود التركي في أفغانستان. حيث تأمل تركيا وغيرها من الدول المحفّزة لها أن تستفيد من خبرتها في التعامل مع حركة شباب المسلمين في الصومال في تخطيطها لوجودها العسكري في أفغانستان. إذ تمتلك تركيا أكبر قاعدة عسكرية خارجية لها في العاصمة الصومالية مقديشو، اضطلعت بمشاريع بنية تحتية كبرى، وأدارت كلًا من مطار وميناء مقديشو الدولي. بالإضافة إلى التعاون العسكري وتدريب القوات الصومالية. وبالرغم من ذلك، يجب أن يؤخذ في الحسبان أيضًا وجود بعض الفوارق بين الحالتين الأفغانية والصومالية وبين نفوذ طالبان والشباب في البلدين.

6- القوى المعارضة: تقف عدد من القوى بمواجهة المقترح التركي، فعلى المستوى الخارجي، يبدو أن عددًا من الدول لا تنظر بارتياح للتواجد التركي في أفغانستان، وفي مقدمة هذه الدول روسيا، إذ أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الروسية، في 17 يونيو الماضي، أن استمرار الوجود العسكري التركي في أفغانستان سيتعارض مع اتفاق الولايات المتحدة وحركة طالبان بشأن انسحاب القوات الأجنبية. خاصة أن موسكو تعتبر منطقة آسيا الوسطى إرثًا تاريخيًا لها، وتنظر إلى الحضور التركي في أفغانستان بوصفه تعاونًا تركيًا أمريكيًا في هذه المنطقة.

وعلى المستوى الداخلي، ترفض قوى معارضة تركية الرغبة الحكومية في إبقاء القوات التركية في أفغانستان، وتعتبره دفعًا للجنود الأتراك في مواجهة غير محسومة ومحفوفة بالمخاطر مع حركة طالبان. وقد ربط قادة بعض الأحزاب، مثل “كمال كليجدار أوغلو”، زعيم حزب الشعب الجمهوري، و”ميرال أكشنر”، رئيسة حزب الخير التركي، بين بقاء القوات التركية في أفغانستان وبين الدعم المالي واللوجستي الذي تشترطه أنقرة، رافضين مقايضة الجنود الأتراك بالمال أو العمل كمرتزقة أو التضحية بهم لحماية الجنود الأمريكيين، على حد وصفهم.ختامًا، تبرز تركيا على رأس الدول المرشحة لخلافة الدور الأمريكي في أفغانستان بالتعاون مع دول أخرى. ومع وجود دوافع تركية للقيام بهذه المهمة؛ إلا أن هناك عددًا من المحددات والتحديات التي ستحدد مدى إقدام تركيا على هذا القرار من ناحية، كما ستحدد درجة نجاحها فيه حال اتخاذه من ناحية أخرى.